اللقاحات … هل هي (سمك بلا حسك)؟

 


اللقاحات … هل هي (سمك بلا حسك)؟


 


 


طرأت في السنتين الأخيرتين تغيّرات كبيرة على برنامج لقاحات الأطفال، بحيث أنه لا توجد عائلة إلاّ وقد لاحظت هذا الأمر، وقد وصل الأمر إلى أنني في عيادتي لم أعد أقول للعائلات إن طفلكم قد أتمّ لقاحاته، بل أتبع هذا الكلام بعبارة أصبحت تجري بشكل روتيني على لساني : (إلاّ إذا قاموا بابتكار أو إضافة لقاحات جديدة)!! وقاموا هذه تعود إلى وزارة الصحة والعلماء والمسؤولين والمخططين الصحيين في البلاد.


 


جميع الأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية لا بد من تلقيحهم ضد 15 مرضاً، وقد يتضمّن جدول اللقاحات اليوم 37 وخزة منها 25 وخزة قبل عمر سنتين!! وبطبيعة الحال فهنالك لقاحات مركبة تجمع عدّة لقاحات معاً لتخفيف عدد  الوخزات.


 


هذه التغيّرات ــ بطبيعة الحال ــ لم تمر دون أسئلة يطرحها الأهل عن فائدة إضافة اللقاحات الجديدة، ولماذا لم تتم إضافتها في فترة سابقة؟ وما هي فائدة اللقاحات أصلاً؟ ولماذا يقف بعض (الكتاب الطبيين) ضد اللقاحات أو ضد بعضها على الأقل؟ وهل صحيح ما سمعته عن اللقاح الفلاني وأنه يسبب مضاعفات خطرة؟


 


هذه الأسئلة نسمعها اليوم في عياداتنا أكثر من أي وقت مضى. وهذا عائد بطبيعة الحال لزيادة عددها ولزيادة التركيز في وسائل الإعلام  المختلفة عليها بين مؤيّد متعصّب ومعارض متشدد!


 


ولكن… ما هي اللقاحات؟


 


سؤال بسيط، وجوابه هي أن  اللقاحات هي عبارة عن عناصر دوائية ــ إن صح  التعبير ــ تساعد الجسم بحمايته ضد الأمراض  الإنتانية المهددة له سواء كانت جرثومية أو فيروسية. عندما يقوم جرثوم ما بغزو الجسم فإن الأجهزة المناعية تتعرّف عليه كجسم غريب غازٍ، وهذا يبدأ سسلة من الأحداث التي تقود إلى صناعة ما يدعى (الأجسام الضدية) وهي عبارة عن جزيئات متخصصة  تلتصق على الجرثوم الغازي وتقوم بتحييده أو تبدأ تحطيمه. وما تفعله اللقاحات هو أنها توفر (طريقاً مختصراً) للحصول على الأجسام الضدية وبالتالي المناعة التي تحول دون غزو الجرثوم للجسم أصلاً.


 


 


السؤال الأشهر


 


ربما كان السؤال الأشهر الذي نتعرّض له في مجال اللقاحات هو عن علاقتها بداء (التوحّد الطفلي). وقد أثير هذا السؤال في وسائل الإعلام. والحقيقة هو أنه حتى الآن لا توجد علاقة علمية مؤكدة بين التوحد الطفلي واللقاحات. وقد أخذت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال هذا الأمر بجدية كاملة وقامت بدراسة بهذا الشأن ولم تجد أية علاقة. وفي حال العثور على أي دليل علمي فلا شك في أن السلطات العلمية في البلاد ستقوم بإيقاف اللقاحات المسؤولة. ولا يعقل أن الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال التي تضم تحت لوائها أكثر من 75 ألف طبيب حاصل على شهادة البورد الأمريكية في هذا الاختصاص والتي لديها أيضاً العديد من هيئات البحث واللجان المتخصصة، يمكن أن تسمح بإعطاء أي لقاح يمكن أن يؤذي الأطفال. هذا منطق بسيط وسليم. ونضيف إلى ذلك أنه لا أحد يعلم الغيب إلاّ الله سبحانه وتعالى. وبالتالي فلا يمكن لأحد التنبؤ بما يأتي به المستقبل. ولكن في الوقت الحاضر فإن كل اللقاحات الموجودة على الجدول هي لقاحات سليمة.


 


وهنالك أيضاَ سؤال بخصوص مركب زئبقي يدعى (ثيميروسال) يوجد في بعض اللقاحات، وفيما إذا كان هذا المركب يؤدي إلى التوحد الطفلي. وقد أجريت دراسات موسّعة وكثيفة بهذا الشأن،ولم تجد أية علاقة بين هذا المركب وبين التوحّد. علماً بأن لقاحات الأطفال الموجودة في الولايات المتحدة هي تقريباً خالية من الثيميروسال.


 


إن جميع  الدراسات التي أجريت خرجت بنتيجة واحدة: ابحثوا عن سبب آخر للتوحد الطفلي غير اللقاحات!!


 


 


هل هو أمر صحيح؟


 


وهنالك سؤال يطرحه بعض الناس: لقد تلقيت لقاح الإنفلونزا هذا العام، وما أن أعطاه الطبيب لي حتى أصبت بالإنفلونزا!


 


إن اللقاحات المتوفرة اليوم لا تسبب المرض الذي صممت للحماية منه كما كان في الماضي. فلقاح شلل الأطفال القديم الفموي ــ على سبيل المثال ــ كان يسبب حصول حالات خفيفة من شلل الأطفال، وهذا الأمر تم التخلّص منه. ولكن الحقيقة هي  أن اللقاحات لا تحمي من الأمراض بنسبة مئة بالمئة. فإذا أصبت بالإنفلونزا بعد أخذك للقاح فهذا لا يعني أن اللقاح قد سبب المرض، ولكن عليك أن تعلم أن اللقاح لا يمنع جميع سلالات الإنفلونزا.


 


جرعات متعددة


 


وهنالك سؤال يطرحه بعض الأهل وهو: لماذا يقوم الطبيب بإعطاء الطفل  اللقاح نفسه عدة مرات؟ إن الإجابة على ذلك تكمن في أن اللقاح ــ وقبل  أن يطرح في الأسواق ــ تدرَس آلية عمله وفترة حمايته. وومعظم اللقاحات لا بد من إعطائها في جرعات متلاحقة حتى تحقق المناعة الكافية المطلوبة لمنع  المرض. فالجسم بحاجة إلى التذكير بعد فترة تحددها الدراسات. وهذا هو السبب في أن بعض اللقاحات تعطى مرتين وأخرى تعطى ثلاث مرات أو أكثر.


 


 


 


فما هي مشاكل اللقاحات؟


 


إذا كان الأمر كما ذكرنا، فهل يعني هذا أن اللقاحات خالية من العيوب ولا تسبب أية مشاكل؟  الحقيقة لا. فلا يوجد في الدنيا كلها (سمك بلا حسك)! إن أكثر التأثيرات الجانبية للقاحات شيوعاً هي الألم في مكان الحقن. كما أن اللقاحات قد تسبب ارتفاع الحرارة ، وفي بعض الحالات قد يحصل ارتكاس تحسسي نتيجة للقاح. وهذا أمر طبيعي يمكن أن يحصل بسبب تناول أية حقنة أو دواء. ولكن إذا نظرنا للصورة الكبرى ــ وهذا ما يجب أن يفعله كل منا ــ وجدنا أن  الأمر يستحق العناء. فإذا خيّر الإنسان بين أن يصاب طفله بارتفاع خفيف في درجة الحرارة من جهة وبين الإصابة بداء (الكزاز) القاتل مثلاً، فأيّهما يختار؟ سؤال لا تحتاج الإجابة عليه إلى الكثير من التفكير.


 


 


ما هي الفوائد؟


 


تقول الإحصاءات إن اللقاحات التي تعطى كل عام في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، تمنع 33000 حالة وفاة، و14 مليون حالة مرضية. وتوفر 10 مليارات دولار من تكاليف العناية الصحية المباشرة، و43 مليار دولار من التكاليف العامة التي يمكن أن يعانيها المجتمع في حال حصول هذه الأمراض والوفيات التي تم منعها.


 


هذه الأرقام تستحق التفكير العميق فعلاً. وقد لا تعني هذه الأرقام الشيء الكثير بالنسبة لشخص أتى بعد أن غمر (نعيم اللقاحات) العالم، ولكنها تعني الكثير لبعض الأطباء والأشخاص المسنين الذين رأوا بأعينهم  الويلات التي سببها مرض مثل شلل الأطفال منذ عشرات (وليس مئات) السنين في بلد متقدم علمياً مثل الولايات المتحدة الأمريكية.


 


وإذا ابتعدنا عن الماضي وعدنا إلى الحاضر، فإن لقاحاً مثل (البرفنار) والذي بدأ استخدامه في عام 2000 للحماية من التهاب السحايا وأنتان الدم وذات الرئة والتهاب الأذن والجيوب الأنفية…. لم يقم بإنقاص معدّل الإصابة بهذه الأمراض المذكورة وبشكل دراماتيكي فقط ، ولكنه أنقص حصولها في الكبار أيضاً. وهذا أحد الأمور الإيجابية فيما يتعلّق باللقاحات. فهي لا تقوم بإنقاص المرض في الشخص الملقّح ولكن في المحيطين به أوّلاً وفي المجتمع على العموم ثانياً.


 


 


الأهمية كبيرة


 


إن الأهمية الكبرى للقاحات، والتي لا يمكن لأحد أن يتجاهلها من وجهة النظر الصحية والاجتماعية والتاريخية،  تدعونا جميعاً لمحاولة التركيز على إيجابيات اللقاحات، وعدم جعل السلبيات (المحتملة) تحول بيننا وبين متابعة التخطيط لإعطاء اللقاح لكل من يحتاجه. وهذا الأمر هو أمر اجتماعي عام. يلعب فيه جميع أفراد  المجتمع أدواراً مختلفة وهامة.


 


دور الطبيب هام ولا يقتصر على إعطاء اللقاحات، بل يجب أن يتجاوز ذلك إلى زيادة معرفة الناس بها والتركيز على أهمّيتها وإزالة  الأوهام التي قد تكون عالقة في أذهان بعض الناس نتيجة للإعلام غير المسؤول أو ناقص المعرفة.


 


ومن جهة الأهل، فإن دورهم يبدأ بأخذ موضوع اللقاحات بالجدية الكاملة، ومتابعة التغيّرات في الجداول التي تقررها السلطات الصحية. وأخذ الطفل إلى طبيبه في المواعيد  المناسبة. وعدم الانتظار إلى موعد دخول المدارس التي تمنع دخول الأطفال إليها قبل أن يتموا  لقاحاتهم.


 


اللقاحات كنز عظيم وثمرة جهد وتعب العلماء عبر العقود والسنين. فهل نقوم بواجبنا البسيط بإعطاء اللقاحات لأطفالنا بالشكل الملائم والمناسب؟


 


 

Close Menu