حمى (كيو) …. إنفلونزا الماعز الوهمية!!!

 


 


 


حمى (كيو) …. إنفلونزا الماعز الوهمية!!!


Q Fever


 


 


نحن هنا في موقف محيّر حيث توجد عدّة مواضيع طبية لا بد من الحديث عنها. الوضع كالتالي: بدأنا في العدد الماضي بنشر الجزء الأوّل من موضوع هام طلبت إحدى السيّدات نشره عن (التوحّد ا لطفلي). ولا بد من نشر الجزء الثاني عنه. هذا من جهة. ومن جهة أخرى هنالك الكثير من الأخبار الجديدة عن إنفلونزا الخنازير لا بد من الحديث عنها وخصوصاً منها تلك المتعلّقة بسحب بعض اللقاحات من التداول الطبي والأسباب الداعية لذلك. ومن جهة أهم، فهنالك موضوع جديد وساخن ولا بد من أن تكون لنا كلمه بشأنه اليوم. فماذا نفعل؟ قررنا في النهاية أن ننشر اليوم مقالاً عن الموضوع الجديد وأن ننشر خبراً عن مستجدات إنفلونزا الخنازير، وأن نرجئ نشر الجزء الثاني من موضوع التوحّد الطفلي إلى العدد القادم.


 


إنفلونزا الماعز؟


الموضوع الجديد…. سألني عنه صديق أحبه. قال لي بالأمس على الهاتف: هل سمعت بإنفلونزا الماعز؟ ….. ظننت أن هاتفي الخلوي يسمعني أشياء لم يقلها صديقي. قلت: ماذا؟ قال: إنفلونزالماعز!!!! قلت: لا لم أسمع به! قال: إن كل المحطات الفضائية العربية تتكلّم عنه… إنه نوع جديد من الإنفلونزا!! إنهم يقولون إن هذه هي مجرّد البداية … هنالك حديث عن  إنفلونزا القطط والكلاب وحتى الضفادع!!


 


إنفلونزا وهمية


عندما عدت إلى المنزل بدأت فعلاً بمتابعة الأخبار التي  كانت تتكلّم عن (إنفلونزا الماعز). وبعد دراسة الأمر تبيّن لي أن ما تعنيه المحطات الفضائية هو مرض معروف منذ القديم يدعى (حمى كيو) وهو ليس إنفلونزا ولا علاقة له بها، وهو في الحقيقة مرض جرثومي وليس فيروسياً. ولكن الذي حصل هو أنه في غمرة إنفلونزا الطيور ثم الخنازير، ظن الناس أن هنالك سلالة جديدة من الإنفلونزا تسببها الماعز وأطلقوا عليها اسم (إنفلونزا الماعز) والأمر فيه خلط علمي بطبيعة الحال.


 


 


ليس جديداً


في واقع الأمر فهذا المرض قديم جداً. حيث اكتشفه عالم أسترالي يدعى (إدوارد دريك) ولم يعرف العامل المسبب له فأسماه Q Fever وحرف Q   هو كناية عن query  التي تعني (التساؤل أو علامة الاستفهام) .  والأمر المضحك والغريب هو أن (دريك) كان ينوي أن يسمي المرض بداء (كوينزلاند) وهي الولاية التي كان يعيش فيها في أستراليا وهي في الشمال الشرقي من البلاد، ولكن المؤسسات المعنية بتربية الماشية في المنطقة ثارت ثائرتها لأنها خشيت أن تتأثر تجارة المواشي في الولاية إذا ربط العالم بين اسم (كوينزلاند) واسم المرض. فكان أن اختار العالم اسماً (غير مسبوق في طريقة تفكيره) وبالتالي أطلق هذا الاسم على مرضه الجديد وأبعد الشبهات التجارية عن بلاده!!


 


وفي عام 1937 تم تحديد العامل المسبب ويدعى (كوكسيليا بورنتاي) وهي نوع من الجراثيم التي تنتقل إلى الإنسان عن طريق الحيوان مثل الماعز والبقر وأيضاً  الحيوانات الأليفة كالكلاب والقطط. وتبلغ فترة حضانتها 9 إلى 40 يوماً (وسطياً 2 ـ 3 أسابيع) وتعتبر أكثر الجراثيم في العالم قدرة إلى الإمراض حيث أن جرثوماً واحداً يمكن أن يصيب الإنسان بالمرض إذا دخل إلى الجسم.


 


كيف تتم الإصابة؟


 


لا تكون لدى الحيوانات المصابة أعراض واضحة حتى يتجنبها الإنسان، وإن كانت الأبحاث العلمية قد بيّنت ازدياد حالات الإجهاض في الحيوانات المصابة. وبالتالي يقوم المسؤولون عن مراكز تربية الماشية بإجراء الفحوص التشخيصية لدى الحيوانات التي تزداد لديها نسبة الإجهاض بحثاً عن المرض.


وتطرح الجراثيم في حليب الحيوانات المصابة و بولها وبرازها، والأهم من ذلك فإنها تطرح مع المشيمة والسائل الأمنيوسي أثناء ولادة الماشية. وهذه الجراثيم مقاومة للحرارة والجفاف مما يعني أن الانتقال قد يحصل حتى بتناول الحليب المغلي ولهذا فإن التجنب الكامل للحيوانات المصابة ومنتجاتها هو الطريقة المثلى للوقاية، و عادة ً ما يصاب الإنسان عادة من خلال استنشاق الهواء الملوّث بالجراثيم في الحظائر. أما الإصابة من خلال عضّات القراد أو الانتقال من الإنسان إلى آخر فهي نادرة. وإذا أصيب الإنسان بالمرض ثم شفي منه فإنه يحصل على مناعة تدوم مدى الحياة. ونذكر هنا أن حشرة القراد تنقل الإصابة بين الحيوانات.


 


 


 


الأعراض والعلامات


فقط نصف المصابين بالجراثيم يبدون أعراضاً. حيث تحصل الحمى (حوالي 40 درجة مئوية)، والصداع والتعب العام والألم العضلي وألم البلعوم والارتعاش والتشوّش الفكري والتعرّق والسعال والغثيان والإقياء والإسهال والألم البطني والصدري. وقد تظهر جميع هذه الأعراض أو بعضها. و تستمر الحمى من أسبوع إلى أسبوعين وربما حصل نقص الوزن. كما قد تحصل ذات الرئة (في 30 ــ 50% من المصابين). وربما حصل التهاب الكبد. قد يحصل الشفاء دون علاج في معظم المرضى، وقد تحصل حالات الوفاة في 1 ـ 2% من المصابين.


وفي بعض الحالات قد يحصل الإزمان (أي استمرار المرض لستة أشهر أو أكثر) وهذا نادر ولكنه خطر ، والحالة المزمنة لا تعني وجود أعراض شديدة بشكل مستمر ولكن ربما كانت الأعراض خفيفة مع اشتدادات بين الفترة والأخرى. وقد تمتد الحالة حتى عشرين عاماً والخطر في الإصابات المزمنة هو حصول (التهاب شغاف القلب) أي الغشاء المبطن للقلب وخصوصاً في منطقة الدسام الأبهري. وتبلغ نسبة الوفاة في الحالات المزمنة حوالي 65%. ومن جهة أخرى فإن الأشخاص المصابين بالأمراض الدسامية القلبية يجب أن يكونوا أكثر حذراً من الإصابة لأن احتمال تفاقم الأذية الدسامية لديهم يكون عالياً.


 


التشخيص


هنالك علامات عامة بالفحص الدموي توحي بالمرض مثل نقص الصفيحات الدموية. ولكن التشخيص المؤكد يتم بما يدعى (الفحوص الدموية المصلية) التي تتحرّى أضداداً في الدم يصنعها الجسم ضد هذا النوع من الجراثيم ويتم تحرّيها بما يدعى (الومضان المناعي). وبطبيعة الحال فإن الطبيب يجري هذه الفحوص المخبرية نتيجة لشكه بالمرض الناجم عن قصة سريرية واضحة لتماس الإنسان مع الحيوانات وخصوصاً في الفترات التي تحصل فيها جائحات.


 


هل هنالك من معالجة؟


يعالج المرض بالمضادات الحيوية. ويعتبر (الدوكسي سيكلين) الدواء المختار لقتل هذا الجرثوم. وتكون فعالية المعالجة عالية إذا بدأت خلال 3 أيام من بدء المرض. ويتم إعطاء الدواء مرتين لمدة 2 إلى 3 أ سابيع. وهنالك مضادات حيوية أخرى مثل (الكوينولون). أما في حالة حصول الشكل المزمن من الداء ولا سيما الإصابة بالتهاب شغاف القلب، فإن المعالجة تكون معقدة أكثر وتتطلّب استخدام عدة مضادات حيوية في الوقت نفسه. وربما تطلّب الأمر الجراحة لتبديل الدسامات القلبية المصابة.


 


الوقاية


إن الجائحات التي حصلت في أمريكا تركزت على بعض المهن التي يتعامل أهلها مع الحيوانات كمربي الحيوانات والأطباء البيطريين وعمّال اللحوم وعمّال الصوف وعمّال دباغة الجلود والمزارعين والباحثين المخبريين. وتتركز الوقاية بالتالي على هذه المجموعات من الناس. وتتلخص أساليب الوقاية بنشر المعرفة العلمية عن كيفية انتقال الجرثوم، والتخلّص بشكل ملائم من المشيمة والمفرزات التي تطرح عند الولادة لدى الحيوانات مثل السائل الأمنيوسي. واستخدام الحليب المبستر (والبسترة تختلف عن الغلي العادي) ، والتعقيم المناسب للملابس المخبرية وعزل الحيوانات المصابة وإبعاد المخابر التي تستخدم الحيوانات كالأغنام والماعز عن التجمعات السكنية  علماً بأن هنالك لقاحاً يمكن إعطاؤه للمعرّضين للخطر العالي.


 


 


 


اللقاح


هنالك لقاح تم تطويره في أستراليا واستخدم بنجاح لمنع الإصابة لدى المجموعات البشرية ذات الخطر العالي ، كما أن هنالك لقاحاً يعطى للحيوانات لمنع حصول الإصابة. وهذان اللقاحان غير متوفرين تجارياً في أمريكا. ونذكر هنا نقطة هامة وهي أن الشخص الذي يرشح لأخذ اللقاح لا بد من إجراء اختبار جلدي للتأكد من أنه لم يتعرّض لهذه الجراثيم من قبل. وفي حال أثبتت الفحوص أنه تعرّض للجرثوم سابقاً فلا يوصى بإعطاء اللقاح لاحتمال حصول تفاعل تحسسي جلدي شديد.


 


ليس إنفلونزا!!


من العجيب أننا ــ في هذه الفترة ــ لا ننتهي من شرح مرض حتى نجد أنفسنا مضطرّين للحديث عن مرض جديد آخر. وإذا كان لنا أن نخرج بفائدة مختصرة من هذا المقال، فإن علينا أن نتذكّر أن (حمى كيو) ليست شكلاً من أشكال الإنفلونزا، وهي مرض جرثومي ويعالج بالمضادات الحيوية. إن الزيارة المبكرة للطبيب في حال ظهور أية أعراض غريبة من حرارة وسعال وغير ذلك تكفي الإنسان القلق والأرق وتجعله يبدأ المعالجة في الوقت المناسب، وهذا ينطبق على أي مرض.


 


 


 


 

Close Menu