التهاب الزائدة الدودية …. زائر غير مرغوب به!!

 


التهاب الزائدة الدودية …. زائر غير مرغوب به!!


 


 


 


طولها 8 سنتمتراً. موقعها في القسم السفلي للأعور الذي هو جزء من المعي الغليظ. عملها لا نعرفه حتى الآن، وإن كان البعض قد سماها سابقاً اللوزة البطنية كناية عن  احتوائها على نسيج لمفاوي قد يكون له دور في الدفاع المناعي عن الجسم و هذا الأمر غير مؤكد. ولكن الأمر الثابت بالعلم والتجربة  هو أننا نستطيع أن نعيش بعد استئصالها حياة طبيعية دون أية مضاعفات تذكر. أما إصابتها بالالتهاب ــ أجارنا الله وإياكم منه ــ فأمر إسعافي عاجل يستدعي الجراحة الفورية. وفي حال عدم إجراء الجراحة فإن الزائدة الدودية ستنفجر وتسبب انصباب القيح في الجوف البطني مؤدية إلى ما يدعى التهاب البريتوان الخطر على الحياة.


 


قصة


 


عندما أحضرت الأم ابنتها الشابة إلى عيادتي نظرت إليها تمشي مع انثناء نحو البطن، وكان في ذهني أمر واحد اعتقدت أنها كانت مصابة به، فالتهاب الزائدة الدودية له علامات لا تخطئها العين الخبيرة. عندما سألتها عما كانت تعاني منه أجابتني (منى) التي كان عمرها وقتها 14 عاماً: لدي ألم شديد في البطن، كان في البداية في القسم العلوي الأوسط منه ثم انتقل  إلى القسم السفلي الأيمن. سألتها: وهل حصل لديك إقياء؟ قالت: نعم. إقياء شديد، وأنا أشعر طوال الوقت بالغثيان المزعج. سألتها: ومتى بدأ الأمر؟ قالت: منذ الصباح، وهو يزداد بالتدريج. وقد أصبت بارتفاع في الحرارة، وأشعر بزوال الرغبة في الطعام تماماً منذ بدأت المشكلة. عندما قمت بفحصها لم أكن مضطراً للضغط على البطن حتى يزداد الألم، فمجرّد إجراء حركة بسيطة تهز طاولة الفحص كانت كافية لزيادة الألم لديها. أما فحص البطن فأي لمس خفيف له كان يؤدي إلى ألم وصفته بأنه لا يطاق، وخصوصاً عندما أرفع يدي عن البطن بعد تطبيق ضغط بسيط عليه.


 


إلى المستشفى


 


قلت للأم: الأمر ليس بحاجة إلى مهارة كبيرة لأقول لك إن (منى) لديها التهاب في الزائدة الدودية. قالت: الزائدة الدودية؟ قلت: نعم. قالت: وهل يعني هذا أنه لا بد من إجراء الجراحة؟ قلت: نعم. ولكن علينا التـأكد تماماً من التشخيص قبل أن نقوم باتخاذ هذا القرار.  سألتني: وكيف يتم ذلك؟ قلت: بإجراء بعض الفحوص الدموية والتصوير الطبقي المحوري للبطن، وهي تعطي التشخيص المؤكد.


 


أرقام


عمر سنتين، وأشيع ما يكون بين عمري 10 و


في الولايات المتحدة حيث هنالك ولع خاص بالأرقام الإحصائية فإن واحداً من كل 15 إنسان يصاب بالتهاب الزائدة  الدودية. وعلى الرغم من أن المرض قد يحصل في أي عمر فإنه نادر قبل 30 سنة. ولا بد هنا من أن نذكر نقطة هامة في حال حصول هذا المرض في أعمار صغيرة كعمر 2 ــ 4 سنوات مثلاً. فالمشكلة هنا هي غموض الأعراض وعدم دقتها إضافة إلى عدم وضوح العلامات بالفحص الطبي. فالمريض في هذا العمر لا يستطيع أن يصف ألمه بدقة. وغالباً ما تكون صورة المرض عبارة عن إقياء وحرارة و… بكاء طبعاً. وفي هذه الحالة فإن الأمر يكون غير نوعي. فهذه الأعراض هي مشتركة مع أمراض أخرى مثل التهاب الأمعاء الفيروسي والتهاب المجاري البولية والإنفلونزا. ولذلك فأن التشخيص قد يكون صعباً في الكثير من الحالات، وربما كان متأخراً أي بعد حصول انفجار الزائدة الدودية والتهاب البريتوان القيحي.


 


لماذا يحصل التهاب الزائدة؟


 


السبب عادة هو انسداد الزائدة الدودية، وغالباً ما يكون الأمر نتيجة لدخول كتلة صغيرة من البراز إلى لمعتها. وربما كان الانسداد بجسم أجنبي كنواة فاكهة أو غيرها. وفي حالات نادرة قد يكون السرطان هو السبب في الانسداد.


 


 


الأعراض


 


كما هو الحال عند (منى) فإن أعراض الزائدة الدودية تشمل الألم االبطني والحرارة والإقياء وربما حصلت أيضاً صعوبة في  التبوّل أو ألم عند التبوّل. وربما حصل الإمساك أو الإسهال. ونلاحظ هنا أن جميع هذه الأعراض قد توجد في أمراض أخرى. فالحرارة يمكن أن تحصل نتيجة لأي التهاب فيروسي أو جرثومي في الجسم. كما أن الألم البطني والإقياء قد يحصلان في الالتهابات الفيروسية للمعدة والأمعاء، وهي في الحقيقة السبب الأشيع لهذين العرضين. كما أن الألم عند التبوّل قد يحصل في حال حصول التهاب المثانة والجهاز البولي. والإمساك والإسهال عرضان شائعان. ولكن الأمر المتميّز في التهاب الزائدة الدودية هي الصورة السريرية  العامة التي يدعمها الفحص الطبي، وتؤكدها في النهاية الاختبارات. ولا بد من إيضاح أن الطبيب بطبعه لديه حس شك عالٍ. حيث أن  من المفيد إجراء الاختبارات في كل حالة يوجد فيها شك بالتهاب الزائدة الدودية. وكثيراً ما يجري الطبيب هذه الاختبارات وتكون النتيجة سلبية أي أنها تثبت عدم وجود التهاب الزائدة الدودية، ولكن هذا الأمر يعتبر طريقة جيدة للممارسة، لأن كشف هذا المرض هو منقذ للحياة.


 


 


كيف تتم المعالجة؟


 


إن الجراحة هي العلاج الوحيد الذي يؤدي إلى الشفاء في حال وجود التهاب الزائدة الدودية. وفي حال وجود الخرّاج ، أي وجود مجمّع قيحي في الزائدة فإن الأمر يقتضي إجراءين أوّلهما نزح القيح وثانيهما استئصال الزائدة الدودية. ويقوم الطبيب بإعطاء أنواع خاصة من المضادات الحيوية قبل الجراحة لمعالجة وجود التهاب محتمل في البريتوان وهو الغشاء المغلّف للبطن. وتجرى الجراحة تحت التخدير العام. ويتم استخراج الزائدة من خلال شق يبلغ طوله حوالي 10 سنتمتراً، وربما تم استئصالها بالتنظير. وفي حال وجود التهاب البريتوان يقوم الطبيب الجراح بغسل الجوف البطني بمحاليل خاصة. وخلال 12 ساعة من إجراء الجراحة يمكن للمريض أن يتحرك ويمشي ويمكن العودة للنشاط الطبيعي بعد 2 ــ 3 أسابيع. وفي حال إجراء الجراحة بالتنظير فإن الشق  الجراحي يكون أصغر كما أن الشفاء يكون أسرع.


 


مضاعفات


 


إن أي إجراء جراحي أو طبي هو عرضة للمضاعفات. وإن على المريض أن يتصل بطبيبه في حال حصول بعض الأعراض المزعجة مثل الإقياء المتكرر وزيادة الألم البطني والدوار ووجود الدم في البول أو وجوده في الإقياء. كذلك في حال وجود احمرار وتورّم حول منطقة الجرح، أو خروج مفرزات قيحية من الجرح. إن أياً من هذه الأعراض قد يكون دلالة على حصول مضاعفات ناجمة عن التهاب الزائدة الدودية أو ناجمة عن الجراحة نفسها. فحصول إنتان في الجرح هو أمرٌ يحصل في بعض الأحيان ويحتاج إلى عناية خاصة.     


 


 


بعد الجراحة


 


في الصباح التالي كنت أزور (منى) في المستشفى. قالت لي الأم: (منى) اليوم فتاة مختلفة تماماً عن الأمس. قلت: لا أشك في ذلك أبداً! كيف جرى الأمر؟ قالت لي (منى): كل ما أذكره هو أن  الطبيب المخدّر طلب مني أن أعد إلى العشرة. قلت: وهل عددتِ؟ قالت: لا أذكر في الحقيقة. لقد كان الأمر  التالي الذي أذكره هو سماعي لصوت الممرضات وهنّ يحاولن إيقاظي بعد إجراء الجراحة. وأنا منذ الصباح أقول كلمة واحدة هي الحمد لله. قلت: نعم الحمد لله على الشفاء . قالت: نعم.. الحمد لله على الشفاء، والحمد لله على أن للإنسان زائدة دودية واحدة فقط، فأنا لا أحب أن أخوض هذه التجربة مرّة ثانية يا دكتور!


 

Close Menu