ذكاء أطفالنا …. بين الموهبة والتدريب

ذكاء أطفالنا …. بين الموهبة والتدريب


 


 


تعالوا نواجه مشكلة بسيطة سارّة. أطفالنا اليوم هم أذكى منا!!  قال لي أحد الآباء يوماً في العيادة: أنا أواجه مشكلة حقيقية يا دكتور. هنالك الكثير من الأسئلة التي يسألني إيّاه طفلي (عادل) ، وعمره عشر سنوات، وأنا لا أستطيع الإجابة عنها. نعم … أنا أستطيع أن أعلّمه الكثير من الأشياء وبشكل يومي، ولكن هنالك بعض الأسئلة التي تتعلّق بالتكنولوجيا والكمبيوتر والـ (السيستم) الأمريكي والتي هي فعلاً أبعد مما أستطيع أن أفيده فيه. أنا كثيراً ما أشعر بالإحراج تجاه بعض الأسئلة التي يسألني إيّاها، ولكنني أشعر بالسعادة الغامرة في الوقت نفسه. قال لي أستاذ في المرحلة الثانوية يوماً : تذكر يا بنيّ! لا أحد في العالم ــ في العالم كلّه ــ يحبك أن تكون أفضل منه سوى أمّك وأبيك. وأنا أدرك اليوم يا دكتور معنى هذه العبارة. فأنا في قمّة إحراجي أشعر بالسعادة لكون طفلي على هذا المستوى من الذكاء. أنا ــ ونتيجة للظروف المالية لأهلي ــ لم أستطع أن أصل  إلى مرحلة متقدمة من التعليم ، وأمضيت حياتي في العمل. وأنا أحب اليوم أن أصل بولدي (عادل) إلى أعلى مرحلة تعليمية تسمح بها إمكانياتي. ولهذا سببان أوّلهما أنني أشعر أن تقدمه العلمي سيعوّض دون شك عن تقصيري في هذا المجال وهو أمر لم يكن في فيه أي ذنب. وثانيهما هو أنني أشعر أنه من الخسارة فعلاً أن تضيع مواهبه العالية دون أن يتم استغلالها تعلمياً على الشكل الأفضل.


 


أمر حقيقي


 


حديث الأب الكريم يثير نقطتين جوهريّتين أولاهما ما يعانيه الكثير من الأهل في مجتمع الاغتراب وهي مشكلة طرحناها سابقاً من أن الطفل يستطيع أن يتعلّم (السيستم) الأمريكي بشكل أسرع وأعمق من الأهل أحياناً نتيجة لنقص معرفة الأهل من جهة، ونتيجة لنشأة الطفل ضمن هذا النظام مما يجعله يتعلّمه بالطريقة الصحيحة وبالتدريج ومن مصادر مختلفة.


 


وأما القضية الأخرى ــ وهي ما أحب أن أركز عليه في حديثنا هذا ــ في قضيّة ذكاء الطفل. فهنالك سؤال قديم قدم المعرفة والتعليم. وهو: هل أن ذكاء الطفل هو رقم محدد منذ ولادته لا يهبط دونه ولا يرتفع فوقه؟ أم أن هذا الذكاء هو نتيجة للتدريب بحيث أن بإمكان الأهل أن يعملوا جاهدين لرفع حاصل ذكاء الطفل مع توقع نتائج إيجابية في هذا المجال؟


 


ربما يكون السؤال بسيطاً… ربما يكون سؤالاً تربوياً قديماً كما ذكرنا. ولكنه على كل حال يستحق مقاربة علميّة هادئة.


 


 


مزيج شامل


 


يجمع علماء النفس اليوم على أن الذكاء ليس نتيجة لعامل واحد فقط. فهنالك عدة عوامل تلعب دوراً رئيساً وحاسماً في موضوع  الذكاء. فالوراثة هي عامل هام دون شك، ولا نعني بها فقط كون الوالدين والعائلة من الأذكياء ولكن ما يملكه الطفل في جعبته من المورّثات (أو الجينات) منذ ولادته. فكما أن الطفل يولد ولديه استعداد لمرض مثل الربو والسكري وغيرها من الأمراض التي قد تظهر لاحقاً أو لا تظهر بناءً على العوامل البيئية والحياتية الأخرى، كذلك فإن مكوّنة الذكاء الموجودة لدى الأطفال ــ ومنذ ولادتهم ــ تختلف من إنسان إلى آخر. وهذا أمر معروف. ولكن هل هي العامل الوحيد؟ لو كانت كذلك لما كانت هنالك أية فائدة من الكتب والمدارس والجامعات الموجودة في العالم كلّه، والتي يعتبرها  العلماء ليس فقط مراكز للتعلّم والتحصيل، ولكن أماكن (شحذ) للذكاء نفسه. وإذا شئت أن تقول إن الذكاء هو عضلة تنمو بالعمل وتضمر بالكسل فلا بأس في هذه العبارة أبداً. فهنالك عوامل أكثر من أن تحصى تلعب دوراً في الذكاء فالتغذية الصحية هي عامل هام قد ينظر إليه بعض الناس على أنه عامل للقوّة والصحة الجسدية فقط. ولكن علينا ألاّ ننسى أن  الدماغ ــ مركز الذكاء ــ هو عضو من أعضاء الجسم أيضاً. كذلك فإن الحماية من المواد البيئية السامة هي عنصر بالغ الأهمية في هذا المجال. فقد لاحظ  العلماء أن الأماكن المملوءة بالمواد السمية الصناعية والبيئية وغيرها تترافق مع نقص واضح في حاصل الذكاء لدى الأطفال.


 


 


كيف يتطوّر الدماغ؟ 


 


في السنوات الأربع من الحياة ينمو دماغ الطفل بشكل سريع جداً. وقد تستغرب إذ تعلم أن حجم دماغ الإنسان يصل إلى إلى 90%  من حجمه النهائي قبل أن يدخل الطفل إلى (حضانة الأطفال)!! وهنا علينا أن نعلم  أن هذه المرحلة من النمو الهائل تشكل أهم فرصة للأهل لتعليم الطفل. ولكن هل يعني أن الدماغ يتوقف بعد عمر الرابعة؟ قطعاً لا… فإضافة إلى الزيادة في الحجم ( أي الـ  10%  المتبقية) فإن هنالك ما يدعى بالتنظيم وإعادة الهيكلة. وهذه العملية تستمر عبر الطفولة كلها وصولاً إلى المراحل المبكرة من مرحلة الإنسان البالغ، حيث يصبح الدماغ أكثر تعقيداً وتطوّراً. ولكن هنالك نقطة هامة وهي أن التعلّم يجب أن يكون تدريجياً، فببساطة أنت لا تستطيع أن تعلّم طفلك (علم المثلثات والخوارزميات) قبل أن تعلّمه  العمليات الحسابية الأربع!!! وهذا خطأ يقع فيه الكثير من الأهل في غمرة رغبتهم العارمة في تعليم أطفالهم. فالتمهّل والتأني   هما عاملان هامّان في موضوع التعليم. فربّ عجلة وهبت ريثاً، وربّ حثيث مكيث كما كانوا يقولون.


 


 


العاطفة


 


إن هنالك عاملاً خفيّاً يغلّف كل العمليات التعلّمية لدى الإنسان، ويهمله الكثير من الأهل. وهذا العامل هو العاطفة. فإيجاد علاقة قريبة بين الطفل والأهل ــ ومنذ الأيام الأولى للحياة ــ تعتبر من قبل كثير من العلماء المرحلة الأولى من التعلّم وهي بالتالي تؤدي إلى تطوّر طفل أكثر ذكاءً. فالعاطفة الدافئة والارتباط السليم بالأهل يؤدّي إلى (تكامل) الدماغ لدى الطفل ويغلّف العملية التعليمية بما يدعى (شبكة السلامة) التي تجعل التدريب أكثر سلاسة ومتانة في آنٍ معاً. ومن أوّل المبادئ في هذه العلاقة هو (الاستماع الجيّد). كن مستمعاً جيّداً لاهتمامات طفلك، وانظر في عينيه حينما تتحادثان. فهذا الأمر له تأثير السحر  على الطفل. بينما الاستماع للطفل وأنت منشغل عنه شارد الذهن يؤدّي إلى فقد الطفل لاهتمامه بالتعلّم وسينعكس ذلك على ذكائه.


 


 


الألعاب


 


إن الألعاب المخصصة للأطفال لها دورٌ كبير دون شك في عملية التعلم لدى الطفل. فالسحر اللوني والصوتي لهذه الألعاب يساهم دون شك في ما يتعلّمه أطفال اليوم. ويضاف إلى ذلك أنها كثيراً ما تكون تجسيداً لشخصيات تلفزيونية يعرفها الطفل ويحبها. ولكن هنالك ملاحظة هامة وهي أن فائدة اللعبة لا تتعلّق بغلاء ثمنها ولا ترتبط بمدى تعقيدها. فقد تكون اللعبة رخيصة الثمن وبسيطة وتفيد الطفل تعليمياً بشكل أكبر من تلك الأكثر تعقيداً. والأمر الآخر هو أن التلفزيون ، الذي يلعب دوراً كبيراً جداً في عملية التعلّم لدى الأطفال اليوم، يجب الانتباه إلى مايشاهده الطفل من برامج فيه كما يجب  أن نحدد الوقت الذي يمضيه الطفل أمامه. فهنالك الكثير من النشاطات التي لا يجب أن يبتلع  التلفزيون الوقت المخصص لها. ولا بد أن أذكر هنا أن هنالك الكثير من البرامج التي تعرض على القنوات المخصصة للأطفال والتي لا أستطيع أن أتصوّر أن طفلاً يتطوّر وهو يتابعها يمكن أن يمتلك في المستقبل عقلاً سليماً. فالعنف والأشياء الأخرى التي يتم حشو هذه البرامج بها هي أمر غريب جداً بل يصل إلى  الدرجة المرضية.


 


 


خلاصة فقط


 


إن موضوع الذكاء وتنميته لدى الطفل لا يمكن اختزاله في صفحة واحدة، ولكن لنعتبر أن حديثنا اليوم هو عبارة عن مقدمة ومدخل لهذا الموضوع. ولكن علينا أن نعلم أنه إذا كان الذكاء من أهم الأرصدة التي يمكن أن يمتلكها الطفل على مدار حياته كلّها، فإن هنالك عوامل كثيرة يمكن أن تساعد في نمو الذكاء وتطوّره. وإن  النتائج الباهرة التي يمكن أن يحصل عليها الأهل في نهاية  المطاف، والمتعة التي تنعكس سعادة على العائلة حين مشاهدة نجاحات الطفل في حاضره ومستقبله  تستحق كل ثانية يمضيها الأهل مع أطفالهم في  عملية التعلّم التي تستمر مدى حياة الإنسان.


 


 

Close Menu