معجزة اسمها حليب الأم

 



معجزة اسمها حليب الأم


  


                                                                    


كنت مرة في اجتماع لقسم أمراض الأطفال في إحدى المشافي عندما تقدّمتُ باقتراح بسيط. قلت للمجتمعين : لماذا لا نؤسس لجنة تعنى بتشجيع الأمهات للقيام بالإرضاع الطبيعي؟


 


 الاقتراح لاقى استحساناً. وسألتني رئيسة ممرضات قسم الأطفال وقتها: وماذا تقترح أن نسمي اللجنة؟


 


 قلت: أقترح أن نسميها ( اللجنة العليا الاتحادية المشتركة لدعم وتأييد مؤازرة  الإرضاع الطبيعي)!!!


 


 قال لي أحد الحاضرين: ماذا يا عزيزي؟! ماذا قلت؟ أعد الاسم مرة أخرى فلا أعتقد أن أحداً منا قد استطاع أن يستوعبه  بالكامل!


 


 وأعدت الاسم على الحاضرين.


 


 قالت لي إحدى الممرضات: هذا الاسم طويل وغير جذاب مطلقاً ….. لماذا لا تقترح اسماً آخر؟


 


 قلت: نسميها إذن (الهيئة الإنسانية للدفاع عن حقوق الرضيع)!!


 


 وقال لي بعض المجتمعين: إننا بصدد إنشاء لجنة لتشجيع الإرضاع الطبيعي، والأسماء العجيبة التي تقترحها لا توحي باسم لجنة طبية… إنها أشبه بأسماء اللجان القضائية أو تلك المكوّنة من محامين يدافعون عن قضية معيّنة.


 


 قلت: رائع!! …. الآن أدركتم النقطة التي أرمي إليها… إن الإرضاع  الطبيعي قد أصابه من الإهمال لصالح الحليب الصناعي ما جعله يحتاج إلى لجنة من المحامين وليس لجنة من الأطباء والممرضات!


 


 


فوائد لا تحصى


 


قال لي المجتمعون: الاسم نتفق عليه لاحقاً! ولكن ما هي الفوائد التي تقترح أن نبينها للأمهات لتشجيعهن على العودة إلى الإرضاع الطبيعي بعد ما أصابه ما تذكره من إهمال؟


 


 قلت: ما أقترحه هو أن نبني مرافعتنا للأمهات على الحقائق العلمية المعروفة التي توضح فوائد حليب الأم. فهنالك إجماع تام بين جميع خبراء التغذية على أن هذا الحليب هو الأفضل للرضيع دون أي منافسة تذكر ــ أو لا تذكر ــ من قبل أي حليب آخر.


 


 فبعد الولادة مباشرة يفرز الثدي مادة صفراء تسمى (اللبأ) وهي ذات محتوى عالٍ من البروتينات والفيتامينات والأملاح المعدنية.إن اللبأ ــ بما يحويه من أجسام ضدية دفاعية ــ  يعطي الطفل جرعة من الوقاية يمكن أن نعتبرها ببساطة أول اللقاحات التي تعطى له بما توفره من حماية ضد  الإنتانات. يتغيّر اللبأ ــ بالتدريج ــ خلال حوالي أربعة أيام إلى اللون الأبيض فيتحوّل إلى الحليب. وهو عبارة عن غذاء متوازن يحوي كل ما يحتاجه الطفل من مغذيات وقد قام بعض العلماء بعدّ هذه المغذيات فوجدها تتجاوز المئتين. وهو يتغيّر بشكل مستمر ــ من حيث محتوياته ــ ليلائم حاجات  الرضيع التي تختلف مع تقدم عمره. هذا التغير في محتويات حليب الأم هو ــ بالفعل ــ أمر إعجازي… فهو لا يحصل خلال تقدم العمر فقط، بل إنّه يحصل خلال الرضعة نفسها!! حيث يكون في البداية ذا محتوى بروتيني عالٍ ثم تزداد كمية الدسم فيه أثناء الرضعة مما يوفر وجبة مثالية.


 


  ثم إن حليب الأم يحوي البروتينات سهلة الهضم بعكس الحليب الصناعي الذي ــ مهما أجريت عليه من تغييرات أثناء التصنيع ــ تظل بروتيناته صعبة الهضم نسبياً. إن هذه العوامل المذكورة توفر في أمعاء الطفل بيئة صحية تخفض من حدوث الإسهال والتحسس. وبالنسبة للإنتانات… فمن أهم الإنتانات التي يوفر حليب الأم الحماية منها التهاب الأذن الوسطى. وفي حال وجود قصة عائلية للربو أو الأمراض التحسسية الأخرى فإن أفضل طريقة نعرفها طبياً اليوم لإنقاص احتمال إصابة الطفل بالتحسس في المستقبل هي الاقتصار على الإرضاع الطبيعي لمدة ستة أشهر.


 


 


 


 


 وهو الأفضل للأم أيضاً!!


 


هذه بعض الفوائد التي تذكر بالنسبة للطفل. أما بالنسبة للأم فإن قيامها بالإرضاع الطبيعي يحرض إفراز الهرمونات التي تعيد الرحم إلى حجمه الطبيعي. كما أن الأم تصرف الكثير من الحريرات بسبب الإرضاع مما يجعلها تفقد الوزن الزائد الذي اكتسبته أثناء الحمل بشكل أسرع. وفوق هذا وذاك فإن ا لخبراء لديهم من الأدلة ما يثبت أن الأمهات اللاتي ترضعن أطفالهن طبيعياً ينقص لديهن احتمال الإصابة بسرطانات الثدي والمبيض الحاصلة بعد سن اليأس. ولا تخفى الأهمية الإنسانية للإرضاع الطبيعي من حيث كونه يدعم المحبة بين الأم ورضيعها. وهذه ــ أيضاً ــ حقيقة أثبتها العلم.


 


أسطورة الحديد


 


قال لي أحد الحاضرين: إننا نعلم أن كمية الحديد في حليب الأم أقل من كميته في الحليب الصناعي فهل يعني هذا أن احتمال حصول فقر الدم في حال استخدامه أعلى؟


 


 قلت: بالعكس تماماً! إن هذا الاعتقاد خاطئ. لأن الحديد الموجود في حليب الأم هو من النوع سهل الامتصاص، مما يجعله ــ على الرغم من قلة كميته نسبياً ــ ذا فائدة عالية أكثر من ذاك الموجود في الحليب الصناعي. على أننا في بعض الأحوال نقوم بإعطاء الطفل الذي تتم تغذيته حصراً بحليب الأم بعض الأدوية الحاوية على الفلور والفيتامين (د) وهذه نقطة خلافية تحسن مناقشتها مع الطبيب.


 


حاصل الذكاء!


 


وهنالك أمر لا بد من أن نذكره للأمهات بوضوح تام. إن حليب الأم يحوي أنواعاً خاصة من الحموض الدسمة الضرورية لنمو دماغ الرضيع. ولقد بينت الإحصاءات أن الأطفال الذين تتم تغذيتهم بحليب الأم  يمتلكون حاصل ذكاء أعلى بـ 5 ــ 10 نقاط من الذين تتم تغذيتهم بالحليب الصناعي. وإذا لم تكن لحليب الأم أية فائدة أخرى غير هذه الفائدة لكانت كافية لتجعل كل أم قادرة على الإرضاع الطبيعي تستغني عن أي نوع من الحليب الصناعي. 



 


 


الشعور بالذنب


 


إن هنالك نقطة هامة لا بد من توضيحها. فكثيراً ما تشعر الأمّهات اللاتي لا يستطعن القيام بالإرضاع الطبيعي بالذنب عندما تصل إليهن هذه المعلومات عن الفوائد العظيمة لحليب الأم. ونقول هنا إن هذا الشعور لا سبب له. فالإنسان عليه ألاّ يشعر بالذنب فيما يتعلّق بالأمور الخارجة عن إرادته، ولعل في التقدم الكبير في صناعة الحليب الصناعي ومحاولة إضافة الكثير من المواد التي تجعله مقارباً لحليب الأم، ما يخفف من هذا الشعور. وما نعنيه تحديداً هو الحموض الدسمة طويلة السلسلة غير المشبعة  المتعددة مثلDHA (Docosahexaenoic acid)  وARA (Arachidonic acid) .


 


الحكم الأخير!


 


قالت لي إحدى الزميلات بلهجة لا تخلو من المزاح: طالما أنك نصّبت نفسك محامياً عن حليب الأم فأنا سأنصب نفسي قاضية.


 


 قلت: هذا أمر حسن.


 


 قالت لي: هل أنهيت مرافعتك؟


 


 قلت: نعم … ولاحظي أنني اختصرت كثيراً فلم أذكر إلا رؤوس الأقلام.


 


 وتوجّهت الزميلة إلى الحاضرين بلهجة تعمّدت فيها الحزم قائلة: هل لديكم أقوال أخرى؟


 


 وقالوا: لا!


 


 قالت: لقد حكمنا بانتصار حليب الأم على جميع أنواع الحليب. رُفِعت الجلسة!!


 

Close Menu